مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقبلة، بدأت ملامح الحراك السياسي تتشكل بشكل واضح داخل مختلف الأقاليم والجهات، حيث شرعت الأحزاب السياسية في البحث عن مرشحين قادرين على تعزيز حضورها الانتخابي وضمان مواقع متقدمة في المنافسة المقبلة. وفي خضم هذه الاستعدادات، عادت إلى الواجهة أسماء سياسية سبق أن شغلت مناصب تدبيرية داخل الجماعات الترابية، من بينها رؤساء جماعات سابقون انتهت مهامهم بقرارات عزل، لكنهم ما زالوا يطمحون إلى مواصلة مسارهم السياسي من خلال الترشح للانتخابات التشريعية والسعي إلى الحصول على تزكيات حزبية تمكنهم من دخول سباق التنافس على المقاعد البرلمانية.
وتثير هذه العودة المحتملة نقاشا واسعا داخل الأوساط السياسية والحقوقية والإعلامية، خصوصا في ظل تنامي مطالب الرأي العام بضرورة تخليق الحياة العامة وربط المسؤولية بالمحاسبة وإفساح المجال أمام كفاءات جديدة قادرة على المساهمة في تطوير العمل السياسي والمؤسساتي. فبالنسبة لشريحة واسعة من المتابعين، فإن مجرد التفكير في منح التزكية لمسؤول سابق تعرض للعزل يفرض على الأحزاب السياسية تقديم توضيحات للرأي العام بشأن المعايير المعتمدة في اختيار مرشحيها ومدى انسجام تلك الاختيارات مع الخطابات التي ترفعها حول النزاهة والشفافية وتجديد النخب.
وفي المقابل، يرى آخرون أن العزل، مهما كانت أسبابه، لا يمكن اعتباره حكما بالإقصاء السياسي الأبدي، وأن القانون يحدد بدقة الحالات التي تمنع الشخص من الترشح للانتخابات. ويستند هذا الرأي إلى مبدأ أساسي يقوم على أن الديمقراطية تمنح للمواطن حق الترشح كما تمنح للناخب حق الاختيار، وأن الكلمة الفصل تبقى لصناديق الاقتراع التي تحدد من يحظى بثقة المواطنين ومن يفقدها.
غير أن النقاش لا يقتصر على الجانب القانوني فقط، بل يمتد إلى البعد الأخلاقي والسياسي. فالمجتمع اليوم أصبح أكثر وعيا بدور المؤسسات المنتخبة وأكثر اهتماما بتتبع أداء المنتخبين ومساراتهم التدبيرية، كما أن وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي جعلت من الصعب تجاوز الماضي أو تجاهل حصيلة المسؤولين السابقين. ولذلك فإن أي محاولة للعودة إلى الواجهة السياسية ستظل مرتبطة بقدرة المعنيين بالأمر على إقناع المواطنين بجدوى هذه العودة وتقديم إجابات واضحة حول التجارب السابقة وما رافقها من أحداث وقرارات.
وتجد الأحزاب السياسية نفسها أمام اختبار حقيقي يتعلق بمصداقيتها أمام الناخبين، خاصة وأن المرحلة المقبلة تفرض عليها تحقيق التوازن بين البحث عن مرشحين قادرين على المنافسة الانتخابية وبين الحفاظ على صورتها السياسية والأخلاقية. فالمواطن لم يعد يكتفي بالشعارات، بل أصبح يطالب بممارسات ملموسة تعكس الإرادة الحقيقية في تجديد النخب السياسية والارتقاء بمستوى العمل العمومي.
ويرى عدد من المتابعين أن الانتخابات المقبلة لن تكون مجرد منافسة على المقاعد البرلمانية، بل ستكون مناسبة لتقييم حصيلة سنوات من التدبير السياسي المحلي والجهوي والوطني، وفرصة أمام المواطنين لمحاسبة المسؤولين السابقين من خلال صناديق الاقتراع. كما أنها ستشكل اختبارا لمدى قدرة الأحزاب على تقديم وجوه جديدة تحمل مشاريع واقعية وتتمتع بالكفاءة اللازمة للدفاع عن مصالح المواطنين والمساهمة في تنزيل الأوراش التنموية الكبرى التي تعرفها المملكة.
وفي ظل هذه المعطيات، تبقى عودة بعض الوجوه السياسية التي غادرت مواقع المسؤولية محل متابعة واهتمام من قبل الرأي العام، الذي ينتظر معرفة طبيعة الاختيارات التي ستتبناها الأحزاب خلال المرحلة المقبلة. فبين من يعتبر أن التجربة السياسية حق مشروع لكل مواطن تتوفر فيه الشروط القانونية، ومن يرى أن المرحلة تستوجب القطع مع بعض الممارسات السابقة وإفساح المجال أمام كفاءات جديدة، يبقى الفيصل الحقيقي هو إرادة الناخبين الذين سيحسمون عبر أصواتهم مستقبل المرشحين ويحددون من يستحق تمثيلهم داخل المؤسسة التشريعية.
وهكذا، فإن الانتقال من العزل إلى السعي نحو مقعد برلماني ليس مجرد تحول في المسار السياسي لشخص بعينه، بل هو عنوان لنقاش أوسع حول مستقبل الممارسة السياسية بالمغرب، وحول قدرة الأحزاب على التوفيق بين متطلبات المنافسة الانتخابية ومقتضيات المصداقية والشفافية، وبين الحق في الترشح وحق المواطنين في اختيار من يرونه الأجدر بحمل تطلعاتهم والدفاع عن مصالحهم داخل قبة البرلمان.
مجموعة الصدى السياسي الإعلامية الورقية والإلكترونية
Source : https://assadaassiassi.com/?p=50786





Sorry Comments are closed