في سياق يتواصل فيه النقاش الوطني حول إصلاح منظومة العدالة وتعزيز تخليق المهن القانونية بالمغرب، عاد ملف قضائي عقاري معقد ليثير موجة من النقاش داخل الأوساط القانونية والمهنية، عقب تداول على نطاق واسع معطيات عبر عدة منصات التواصل المهني وثائق مرتبطة بسلسلة من القرارات القضائية الصادرة عن محكمة النقض في نزاع واحد له ارتباط بمحامي بهيئة مراكش،ويتعلق الأمر بثلاثة عشر قراراً صدرت خلال شهر يناير 2026، في ملف عقاري ضخم يمتد على مساحة تقارب 22 هكتاراً بضواحي مراكش، وتقدر قيمته الحقيقية بملايير السنتيمات، وهو ما اعتبره عدد من المتابعين تطوراً لافتاً بالنظر إلى عدد القرارات الصادرة وطبيعة الإشكالات القانونية التي يطرحها الملف.
تفاصيل الملف المثيرة للدهشة هو ان الورثة تفاجئوا بأن وكيلهم باع أنصبتهم بثمن بخس والمفاجئة الكبرى ان المشتري هو نفس محاميهم، كما انه هو نفس الشخص الذي اشترى الأسهم التي باعها خصومهم في العقار التي لازالت محل نزاع قضاىي ، الذي ظل النزاع حولها معروضاً على المحكمة الابتدائية بمراكش ومحكمة الاستئناف بمراكش ولم يُحسم فيه بعد.
وتشير المعطيات إلى أن أولى حلقات النزاع تعود إلى عملية تفويت لأنصبة في عقار تبلغ مساحته حوالي 12 هكتاراً، بثمن أقل بكثير من قيمته السوقية، حيث كان المشتري محامياً سبق له الترافع في ملفات مرتبطة بالعقار ذاته منذ ثمانينيات القرن الماضي، واستمر حضوره في النزاع بصفته المهنية تلك بشكل متواصل حتى حدود سنة 2021. كما شملت عمليات الاقتناء لاحقاً أجزاء أخرى من العقار، بما في ذلك أسهم مشاعة كانت موضوع نزاع بين الورثة وخصومهم، والتي اقتُنيت من أطراف كانوا في مواجهة قضائية مع المالكين الأصليين.
وفي مسار نفس الملفات الدائرة حول نفس العقار ، تم تنظيم مزاد علني أمام المحكمة الابتدائية بمراكش لبيع أنصبة بعض المالكيين الذين رفضوا بيع أنصبتهم لنفس المحامي لأنه سبق له الترافع عن خصومهم. وقد تقدم أحد الأشخاص بصفة صورية للمشاركة في المزاد، قبل أن يصرح لاحقاً بأن الاقتناء تم لفائدة المحامي المذكور ليتبين ان الراسي عليه المزاد هو نفس المحامي وقد أعادت هذه الواقعة النقاش حول حدود تطبيق المقتضيات المنظمة لمهنة المحاماة، التي تمنع تحت طائلة البطلان اقتناء المحامي للحقوق التي سبق له الترافع بشأنها، سواء من موكله مباشرة أو عبر المزاد العلني.
وكما ذكر فقد تم تداول مجموعة من القرارات الصادرة عن الغرفة المدينة لمحكمة النقض وعلى نطاق واسع في منصات التواصل المهنية، تتعلق بمحامي من هيئة مراكش الذي اقتنى عقاراً من موكليه وخصومهم، وباقي الحصص في نفس العقار من المزاد العلني بعدما رفضوا بيعهم له لحصصهم لكونه ينوب عن خصومهم في نفس العقار مما أثار نقاشاً حاداً داخل الأوساط المهنية والقانونية.
ويترقب مجموعة من المتتبعين ما سينتهي إليه الملف لاعتباره توجهاً جديداً يسمح للمحامين ووكلاء الخصام بشراء الحقوق المتنازع عليها التي نابوا فيها.
وتعود احداث وتفاصيل الوقائع إلى منازعات قضائية متعددة، حيث أصدرت المحكمة الابتدائية بمراكش ثلاثة عشر حكماً قضت ببطلان عقود شراء المحامي للأنصبة المرتبطة بالعقار محل النزاع، وأيدتها محكمة الاستئناف بالمراكش، مؤكدة أن اقتناء المحامي لحق متنازع بشأنه سبق له الترافع فيه هو تصرف باطل بطلانا مطلقا بقوة القانون، علما ان القضاء بزعامة محكمة النقض يبطل أي شراء أو استفادة للمحامي للحقوق المتنازع عليها والتي ناب فيها بصفته المهنية تلك كما انه يعتبر ايضاً خرق الحظر هو مخالفة مهنية صرفة تستوجب المساءلة التأديبية.
إلا أن مسار القضية عرف تطوراً لافتاً بعد عرض الملف على محكمة النقض، التي أصدرت ثلاثة عشر قراراً في الاتجاه المعاكس، متعارضة بذلك مع جميع قراراتها السابقة التي تبنت الحظر الذي أقره المشرع بموجب المادة 44 من القانون المنظم لمهنة المحاماة لسنة 1993، والمادة 45 من القانون رقم 08-28 المعدل له الصادر سنة 2008 المنظم لمهنة المحاماة التي تجد سندها. ومفهومها الواسع في الفصل 731 من قانون الالتزامات والعقود وهو نفس التوجه الذي أبقى عليه المشرع في مشروع قانون مهنة المحاماة الحاليالذي لدى الأمانة العامة للحكومة.
وقد أثار هذا التطور جدلاً واسعاً وتساؤلات في الرأي العام حول مدى احترام القانون الصريح وظروف صدور هذه القرارات.
ويجب التأكيد على أن المشرع المغربي قد حسم مسألة حظر شراء المحامي أو استفادته من الحقوق التي ترافع فيها،وأن القانون وسع نطاق هذا الحظر ليشمل زوج المحامي وفروعه وأصوله، ما يعكس صرامة المشرع في هذا الاتجاه، باعتباره نصاً مرتبطاً بالنظام العام يهدف إلى درء أي شبهات وضمان نزاهة العلاقة بين المحامي وموكله.
هذا الملف لا يقتصر على كونه نزاعاً عقارياً، بل يشكل اختباراً حقيقياً لمدى التزام القضاء بالمبادئ القانونية والأخلاقية المرتبطة بالمهنة ويضع علامات استفهام حول مدى حماية حقوق المتقاضين وضمان نزاهة الممارسة المهنية في المغرب.
ويترقب المتابعين للملف ما ستؤول إليه تطورات القضية، إذ قد يشكل ما سينتهي إليه منعطفا قد يضع حداً للحظر القانوني الصريح ويعيد رسم خطوط العلاقة بين المحامي وموكله وبين الحقوق المتنازع عليها والتي ناب فيها المحامي بشكل عام.
بين تداول القرارات، مفارقات شراء الأنصبة، والجدل القانوني والأخلاقي، يبقى الملف محور نقاش محتدم داخل الوسط القضائي والمهني، في انتظار ما ستكشفه الأيام القادمة من مستجدات قانونية حول الملف والتي قد تُعيد تعريف ورسم معالم ممارسة المحاماة في المغرب.
Source : https://assadaassiassi.com/?p=47358





Sorry Comments are closed