بقلم رشيد هيلال ، رئيس المكتب المركزي للمنظمة المغربية لمحاربة الرشوة وحماية المال العام بالمغرب
من واقع التجربة المباشرة ومن قلب محكمة الاستئناف بسطات، ظهرت امامي صورة صادمة عن واقع العدالة المغربية ومعاناتها اليومية التي لا يمكن تجاهلها بعد اليوم. لقد حضرت جلستين مختلفتين داخل المحكمة، الاولى يوم 05/11/2025 والثانية يوم 19/11/2025، حضور فرضته شكايات كيدية من طرف لوبي فساد سياسي اعتاد الانتقام من كل صوت يفضح ممارساته، لكن المفاجأة الاكبر لم تكن في مضمون الملف بقدر ما كانت في الظروف القاسية التي يعيشها الجميع داخل المحكمة من قضاة ومحامين وكتاب ضبط ومواطنين ومرضى ومسنين وشباب يقفون لساعات طويلة في مشهد غير انساني لا يمكن ان يستمر في بلد يطمح لتكريس دولة الحق والقانون.
منذ الساعات الاولى لصباح يوم 05/11/2025، كان واضحا ان المحكمة تغرق في ضغط بشري لا يطاق. طوابير من المواطنين يفترشون الارض لغياب الكراسي، حالات اجهاد واضحة على وجوه كبار السن، مرضى مزمنون يقفون من التاسعة صباحا الى غاية السادسة مساء او اكثر دون ان يجدوا مكانا يجلسون فيه او حتى نقطة ماء تضمن لهم حقا بسيطا في الشرب. مشهد مؤلم يجعل اي مراقب محايد يتساءل عن كيفية استمرار هذه الظروف دون تدخل سياسي حقيقي يعيد للعدالة هيبتها وكرامة مرتفقيها.
ورغم كل الاحترام والتقدير للقضاة الشرفاء الذين يبذلون جهدا خارقا في مواجهة مئات الملفات يوميا، فقد كان الوضع اقرب الى ارهاق مهني ممنهج يفوق قدرة البشر، قضاة يجلسون عشر ساعات متواصلة دون توقف، محامون يتنقلون بين القاعات مرهقين، موظفو كتابة الضبط يعملون تحت ضغط خانق، ومواطنون تتدهور صحتهم امام اعين الجميع دون ان تتحرك وزارة العدل لتوفير الحد الادنى من ظروف العمل والانصاف الاداري. هذه ليست مجرد ملاحظات عابرة، بل حقائق واقعية وقفت عليها شخصيا خلال حضوري، وراقبت بأم عيني كيف ينهار التنظيم الاداري وكيف يفقد المواطن ثقته حين يجد نفسه داخل مؤسسة يفترض انها تحمي حقوقه لكنها تعجز حتى عن توفير مقعد يجلس عليه.
اما خلال جلسة يوم 19/11/2025، فقد تكرر المشهد نفسه بل ازداد مأساوية. انتظار طويل يمتد لساعات، وجوه متعبة، انفاس متقطعة لمرضى لا يستطيعون الوقوف طويلا، مواطنون يضطرون لقطع الأكل والشرب طوال اليوم خوفا من فقدان دورهم، وازدحام لا يليق بمحكمة استئناف تشرف على قضايا حساسة تمس حقوق اشخاص ومؤسسات. هذا الوضع لم يعد مقبولا اخلاقيا ولا قانونيا، ولا يمكن لأي مسؤول سياسي ان يدافع عنه او يبرره.
أمام كل هذه الحقائق، تصبح المسؤولية السياسية واضحة ومحددة. وزير العدل يتحمل المسؤولية الكاملة عن هذا الواقع المرير. فبدل التركيز على اصدار قوانين تقيد المواطنين وتخلق احتقانا اجتماعيا، كان الاولى به توفير ظروف انسانية داخل المحاكم، تجهيز القاعات بالكراسي، توفير قاعات انتظار، تنظيم الجلسات بشكل يحترم وقت وصحة الجميع، دعم القضاة بموارد بشرية اضافية، وتوفير بنية تحتية تليق بدولة تحترم نفسها. من غير المقبول ان يشتغل القاضي تحت الضغط اكثر من عشر ساعات يوميا، ومن غير المقبول ان يقف المواطن الشيخ والمريض والمرأة والشاب طوال يوم كامل دون ادنى شروط الكرامة.
التجربة التي عشتها شخصيا بصفتين حقوقية واعلامية ليست استثناء، بل هي جزء من معاناة يومية يعيشها المغاربة داخل جل المحاكم. وما حدث في استئنافية سطات هو جرس انذار ينبغي ان يصل بأقصى سرعة الى الوزارة الوصية. لا يمكن لأحد ان يقنع المواطنين بجدية اصلاح العدالة اذا كانت ابسط ظروف العمل منعدمة، واذا كان المواطن يعتبر دخوله الى المحكمة اختبارا جسديا ونفسيا اقرب منه الى مطلب للإنصاف.
اننا اليوم امام واقع يفرض اجراءات عاجلة، ويستوجب مساءلة سياسية صريحة. لقد آن الاوان لوزير العدل ان يتحمل مسؤوليته امام هذه الفوضى التنظيمية والانسانية، وان يضع حدا لمعاناة القضاة والموظفين والمتقاضين. فالعدالة لا يمكن ان تؤدى في ظروف مهينة، ولا يمكن ان تحفظ الحقوق في بيئة لا تحترم الانسان.
هذه الحقائق سأسعى الى توثيقها بشكل اوسع من خلال تقارير حقوقية واستقصائية باسم المنظمة المغربية لمحاربة الرشوة وحماية المال العام، لأن ما يجري اليوم لم يعد موضوع انطباع بل موضوع معاناة جماعية موثقة تستوجب اصلاحا عاجلا ومسؤولا قبل فوات الأوان.
بقلم✍️ رشيد هيلال
👈رئيس المكتب المركزي الوطني للمنظمة المغربية لمحاربة الرشوة وحماية المال العام بالمغرب
Source : https://assadaassiassi.com/?p=44658





Sorry Comments are closed