ابىاهيم شويبة
دخلت قبيلة اولاد زيد المتواجدة بين حدّ حرارَة والبدّوزة . وهي قبيلة من أصل دكالي هلاَلي لا زال فرعها الأصلي بقبيلة اولاد فرَج الهلاَلية العربية ، جاءت للمنطقة مثلها في ذلك مثل قبيلة الغربية من أجل الرعي ، ، قبيلة شديدة المراس ورثت الشراسة وعدم الانحناء أو اللّين لأي كان .. بينما رحّل محمد البرتغالي الوطّاسي نصف قبيلة الغربية إلى طنجة ، وانحصَرت حدود من تبقى منهم في مكانهم الحالي منذ سنة 1516 ميلادية .. كان ذلك بهدف الرعي بمنطقة السّاحل أو ما كان يسمىٰ بالتعزاب من العزيب ، ثم استقرت بنفس المكان منذ القرن التاسع عشر .. بل قبل ذلك بكثير ! دخلت في صرَاع وصدَام قوي مع القايد العبدي عيسى بن عمر الذي حاول إخضَاعهم بالقوة .. عيسى بن عمر 1842/1924 . حين ثارت ضدّ طغيان القايد وظلمه واستبداده . في وقت دأب فيه السّلاطين على إطلاق أيدي القياد وتزكيتهم في مناطقهم حسب جرأتهم وطغيانهم وكثرة نهبهم لسكان مناطقهم وتقديم الجزء الأكبر من الأموَال المنهوبة والثيران والزرع للسلطان الذي يبارك أفعالهم ويعتبرها عين العدالة والخضُوع لتوجيهاته وتعاليمه . والتمتع برضَاه وتوقيره . وعلى هذا الأساس كانت تُحرّر الظهائر السّلطانية الموجهة للقبائل والأشخاص . وهو ما حدث بالفعل حين تجنّد القائد الشاب سرّاً بسبب مرض أخيه القايد امحمد بن عمر . سنة 1879 فنهب قبيلة عبدة واتّجه بغنيمته إلى فاس لتهنئة ومبايعة السلطان الحسن الأول على إثر موت أبيه المفاجيء محمد بن عبد الرحمان بن هشام أو محمد الرابع في بُحيرة أݣدال بمراكش وهو يستمتع بالموسيقى ، إلى انقلب به القارب السّلطاني سنة 1873 . ليصل قائد الحصبة العيّاشي متأخراً وبغنيمة ضَئيلة فيزجّ به السّلطان في سجن بولمهارز ويزكّي القائد الشاب على كل مناطق عبدة بما فيها الحصبة وجزء من دكالة . ليترّك نساء وممتلكات القائد المهزوم ، ويستولي على قبيلته الربيعية .. فعاث في القبائل نهباً وفساداً وتسخيراً للرّعايا وتجنيدهم بالقوة ..وكما حكت لي امّي حليمة التي عاشت في تلك الفترة المظلمة ، كان عندما تداهم قواته الدوَاوير ليلاً ، وتنهب المطامير والثيران والفتيات الجميلات ، كل امرأة أطلقت زغرودة يعطيها بقرة من الأبقار المنهوبة .. لكن مع موت السلطان الذي كان عرشه على سرجه في بداية سنة 1894 . والذي أخفى بّاحماد موته بتادلة على الجميع بمن فيهم نساؤه . حتى وصَل بالجثة إلى فاس وقد وصَل بها التعفن إلى مستوى متقدم . كما يروي المؤرخون ، ليعود التسيب حين استغلّ نفس الحاجب بّاحماد الفرصَة ليولي أصغر أبنائه الحكم ولمّا يتجاوز سن ال 11 . وأخذ يلهيه بلعب يستوردها من أوروبا مع القائد المنبهي . كما دأبوا على تنظيم احتفالات أسبوعية أي كل مساء يوم خميس بالألعاب النارية والبلاد غارقة في فقرها المدقع . واستعرضُوا الجيوش أمام السلطان تلفّ أمامه أكثر من مرة لتضخيم عددها والزيادة في ميزانيتها من رزق الشعب واستغلاله في بناء القصُور في طنجة وغيرها .. كما كان السلطان يلهو بصعق أبناء العبيد بالكهرباء أو رشقهم بطلقات المسدسات النارية وركوب الدراجات أو التفرج على الصّور السينيمائية وهي في بدايتها الأولى . كلّ هذا جعل القايد عيسى بن عمر يعربد بدون حسيب ولا رقيب . ويقرب منه قبائل بإغداق العطاء على زعمائها من مؤن وخيل وسلاح وزرع . بينما تعرضَت قبائل أخرى للقمع والسخرة le servage كما وقع لقبيلة اولاد زيد الشاطئية . حين سخّر أبناءها وجنّدهم في الحروب وأخضَعهم للسخرة بتحياح الجراد أو طيور الجّاوج . والزج في بسجن جزيرة الصّويرة ، بكل من سولت له نفسه العصيان أو التمرد . فأصبح يُضرب المثل بطغيان القايد العبدي واستبداده وهو ما ردّدته الشيخة خربوشة لكريدة في كثير من المناسبات واحتفظت به الذاكرة الشعبية إلى اليوم : فينك آعويسة وفين الشان والمرشان ؟ يتّمت الصّبيان بالعرام والرعواني درت ليه الشان وزيدتيه الݣدام..إلى أن ظفر بها ودكّ عليها بحائط التّابية كما كانت تحكي لنا جدتي امّي حليمة التي عاصَرت هذه الفترة المظلمة من تاريخ المغرب الحديث . أما المؤرخ السلاوي أحمد الصّبيحي الذي عايش تلك الحقبة وفزع لطغيان القائد المستبد وبطشه بالرعايا البؤساء فقد ألف كتاب : عيسى بن عمر وفظائعه ! مشبهاً إياه بالحجّاج بن يوسف الثقفي عامل الأمويين على العراق وجرائمه .
ومنها فرضُه الضّرائب على قبيلة اولاد زيد أو ما كان يسمى ب : النّايْبة وتسخيره لفقرائها وإذلاله لوجهائها مما أدّى إلى انتفاضَة القبيلة وثورتها على القائد الظالم . رغم محاولة البعض التوسط والصّلح بين الطرفين . “برمي العار” “وشمل ” أغطية أضرحة سيدي بلعباس وسيدي بوامحمد صَالح ومولاي عبد الله أمغار . إذ رفضوا الصّلح والتهدئه واستمروا في حرب العصَابات بهجومات ليلية خاطفة فيما يسمى بالكر والفرّ إلى الصّخور الوعرة على ضفاف البحر المحيط التي كانت تشكل قلاعاً منيعةً لا يمكن للغرباء المغامرة بتسلقها . لكن عيسى بن عمر كان مزوداً بمدافع قوية من المخزن ورشاشات وبنادق حديثة مما جعل تلك الحرب غير متكافئة . وهو ما نتج عنه هروب أو فرار كل الرجال نحو مدينة آسفي فسمي بعام الهربة . وكان على رأس الفارين القايد الحاج محمد بن ملّوك . لكن المعركة استمرت بالقرب من مدينة آسفي وخاصّة بمنطقة الضّريضرَات حيث هزمهم عيسى بن عمر أكثر من مرة . ليتدخل في النهاية باشا آسفي حمزة بنهيمة من أجل التهدئة والصّلح في مكان بشارع الرباط قرب رباط أو ضَريح الشيخ سيدي بوامحمد صَالح . يسمى دار السّبليوني.. لكن عيسى بن عمر اشترط وضع الأسلحة بالخارج والدخول بشكل أعزل . أي بنية مبيتة للفتك والغدر . رغم حضُور التاجر الإسباني الكبير خورخي . فأغلقت الأبواب كما أغلقت أبواب وحصُون المدينة . وظل جنود بن عمر متأهبين ومتربصين بأسلحتهم . إلى أن قام أحد زعماء اولاد زيد وأخذ الكلمة وشرع في مدح الجنوح للسلم مستشهداً بآيات من القرآن الكريم . ليبادر عيسى بن عمر ويشقّ رأسه نصفين . مما أربك الجميع فبدأوا يبحثون عن منافذ للهروب تحت وابل من رصَاص قناصَة عيسى بن عمر . ليحتمي البعض بالضّريح . بينما تراكم البعضُ الآخر أمام الأبوَاب المغلوقة فتكدسوا يدوس بعضُهم فوق أجساد البعض الآخر ليموت خلق كبير بمن فيهم الباشا حمزة بنهيمة (لم يمت واستمر عاملاً على طنجة) . فيسمى ذلك العام المشؤوم أي سنة 1895 بعام الرّفسة . وهو ما نتج عنه فرار الشيخة خربوشة لمنطقة الشاوية . كما سجن عيسى بن عمر 800 شخص من الزعماء بسجون الرباط والصّويرة ومراكش وتطوان وعلى رأسهم الحاج بن مَلّوك الذي توفي بسجن تطوان . قبل أن يصبح ابنه القايد الزرهوني قائداً على اولاد زيد ومنطقة الجّحوش وأيّير منذ سنة 1913 فجر بداية الاستعمار الفرنسي ليستمر حكمه حتى رفود الملك سنة 1953 ..بينما أطيح بعيسى بن عمر آنذاك ورحل في إقامة جبرية ومزاوݣة بضَريح سيد القصري بسلا إلى أن توفي سنة 1924 .. ورحّل جثمانه سنة 1927 ماراً من وسط سوق اثنين الغربية كما كانت تحكي لي عمتي مامّا الشّاهدة على مرور الموكب ..
حسَن الرّحيبي..
Source : https://assadaassiassi.com/?p=37800




Sorry Comments are closed